مجمع البحوث الاسلامية

345

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والجهل ، ظلوما جهولا في ظنّ الملائكة » حيث قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها البقرة : 30 ، وقال غيره : إذا كان المراد منها آدم ف « فعول » من أوزان المبالغة يقتضي تكرار الظّلم والجهل منه ، وهو منتف ! ! وجوابه : لمّا كان عظيم القدر ، رفيع المحلّ كان ظلمه وجهله أقبح وأفحش ، فقام عظم الوصف مقام الكثرة ، وهي مثل : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ آل عمران : 182 ، أو لتعدّي ضرر ظلمه وجهله إلى جميع النّاس ، فإنّهم أخرجوا من الجنّة بواسطته ، وتسلّط عليهم إبليس وجنوده . وقال الآلوسيّ : « ليس المراد بالإنسان آدم ، فلا يصفه اللّه بمزيد الظّلم والجهل ، وكون المعنى جهولا بزعم الملائكة قول بارد . بل المراد منه الجنس . وإخراج الكلام مخرج الاستخدام مثل : « عندي درهم ونصفه » بعيد لفظا ومعنى - إلى أن قال - ووصف الجنس بصيغتي المبالغة لكثرة الأفراد المتّصفة بالظّلم والجهل منه ولعلّ المراد بهما من شأنه الظّلم والجهل . . . » وقال الفخر الرّازيّ في وجه آخر : « والمراد الإنسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب » . لاحظ « الإنسان » . 4 - وخلاف آخر في أنّ الوصفين ذمّ للإنسان أو مدح ، حسب اختلاف معناهما : فقال النّيسابوريّ ( ظلوما ) لأنّه خلق ضعيفا وحمل قويّا ( جهولا ) لأنّه ظنّ أنّه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ، ولم يعلم أنّ هذه الصّورة قشر وله لبّ ، وللبّه لبّ وهو محبوب اللّه ، فبقوّة الظّلوميّة والجهوليّة حمل الأمانة ، ثمّ بروحه المنوّر برشاش اللّه أدّى الأمانة ، فصارت الصّفتان في حقّ حامل الأمانة ومؤدّي حقّها مدحا ، وفي حقّ الخائنين فيها ذمّا » . وقال أبو السّعود : « . . . أي إنّه كان مفرطا في الظّلم مبالغا في الجهل ، أي بحسب غالب أفراده الّذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السّليمة ، أو اعترافهم السّابق - أي في عالم الذّرّ - دون من عداهم من الّذين لم يبدّلوا فطرة اللّه تبديلا » . وقال الكاشانيّ : « كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوّة الغضبيّة والشّهويّة ، وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب ، وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام التّخصيص يرجع إلى هذا المعنى ، كما يظهر بالتّدبّر » . وقال البروسويّ : « اعلم أنّ الظّلوميّة والجهوليّة صفتا ذمّ عند أهل الظّاهر لأنّهما في حقّ الخائنين في الأمانة ، فمن وضع العذر والخيانة موضع الوفاء والأداء فقد ظلم وجهل . . . وقال أهل الحقيقة : هما صفتا مدح ، أي في حقّ مؤدّي الأمانة ، فإنّ الإنسان ظلم نفسه بحمل الأمانة ، لأنّه وضع شيئا في غير موضعه ، فأفنى نفسه ، وأزال حجبها الوجوديّة ، وهي المعروفة بالأنانيّة ، وجهل ربّه ، فإنّه في أوّل الأمر يحبّ البهيميّة الّتي تأكل وتشرب وتنكح ، وتحمّل الذّكوريّة والأنوثيّة اللّتين اشترك فيهما جميع الحيوانات ، وما يدري أنّ هذه الصّورة الحيوانيّة قشر وله لبّ ، وهو محبوب الحقّ الّذي قال : ( يحبّهم ) وهو محبّ الحقّ الّذي قال : - في ( يحبّونه ) - فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ المائدة : 54 ، فإذا عبر عن قشر جسمانيّة الظّلمانيّة ووصل إلى لبّ